ابن الجوزي

8

صفة الصفوة

وقال هذا ، وضمن بعضهم أن يأخذ له غيره . فبلغ الذي جمعوا في الحساب خمسة آلاف درهم فقالوا : قوموا بنا نذهب فنأتيه بهذا ونسأله أن يغيّر بعض ما هو فيه . فقمنا فانصرفنا على حالنا ركبانا فمررنا بالمربد « 1 » فإذا محمد بن سليمان أمير البصرة قاعد في منظرة له فقال : يا غلام ائتني بإبراهيم بن شبيب بن شيبة من بين القوم . فجئت فدخلت عليه فسألني عن قصّتنا ومن أين أقبلنا فصدقته الحديث . فقال : أنا أسبقكم إلى بره . يا غلام ائتني ببدرة دراهم فجاء بها فقال : ائتني بغلام فرّاش فجاء فقال : احمل هذه البدرة « 2 » مع هذا الرجل حتى تدفعها إلى من أمرناه . ففرحت ثم قمت مسرعا فلما أتيت الباب سلّمت فأجابني أبو عبد اللّه ثم خرج إليّ فلما رأى الفرّاش والبدرة على عنقه كأني سفيت في وجهه الرماد وأقبل عليّ بغير الوجه الأول فقال : ما لي ولك يا هذا ؟ أتريد أن تفتنني ؟ فقلت : يا عبد اللّه اقعد حتى أخبرك أنه من القصة كذا وكذا ، وهو الذي تعلم أحد الجبارين ، يعني محمد بن سليمان ، ولو كان أمرني أن أضعها حيث أرى لرجعت إليه فأخبرته أني قد وضعتها . فاللّه اللّه في نفسك . فازداد عليّ غيظا وقام فدخل منزله وأصفق الباب في وجهي ، فجعلت أقدّم وأؤخّر ما أدري ما أقول للأمير . ثم لم أجد بدّا من الصدق فجئت فأخبرته الخبر فقال : حروريّ « 3 » واللّه ، يا غلام عليّ بالسيف . فجاء بالسيف فقال له : خذ بيد هذا الغلام حتى يذهب بك إلى هذا الرجل فإذا أخرجه إليك فاضرب عنقه وائتني برأسه . قال إبراهيم : فقلت أصلح اللّه الأمير ، اللّه اللّه ، فو اللّه لقد رأينا رجلا ما هو من الخوارج ولكني أذهب فآتيك به وما أريد بذلك إلا افتداء منه . قال فضمننيه فمضيت حتى أتيت الباب فسلّمت فإذا المرأة تحن وتبكي ، ثم فتحت الباب وتوارت فأذنت لي فدخلت فقالت : ما شأنكم وشأن أبي عبد اللّه ؟ فقلت : ما حاله ؟ قالت : دخل فمال إلى الرّكى فنزع منها ماء فتوضأ ثم سمعته يقول : اللهم اقبضني

--> ( 1 ) المربد : سوق في البصرة . ( 2 ) البدرة : عشرة آلاف درهم . ( 3 ) واحد الحرورية وهم فرقة من الخوارج .